ابن العربي

949

أحكام القرآن

، المعنى لا تقبلوا على الأموال إيثارا لها على الأعمال الصالحة ، ولا تركنوا إلى التجارة الحاضرة ، تقديما لها على التجارة الرابحة التي تنجيكم من العذاب الأليم ، حسما تقدم بيانه في سورة البقرة . المسألة الخامسة - قوله تعالى : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ : يعنى بدلا من الآخرة ، ويرد ذلك في كلام العرب نثرا ، ونظما ؛ قال الشاعر « 1 » : فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبرّدة باتت على الطّهيان « 2 » أراد ليت لنا بدلا من ماء زمزم . والطّهيان : عود ينصب في ساحة الدار للهواء ، ويعلّق عليه إناء ليلا حتى يبرد . عاتبهم على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة ؛ إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعائشة رضى اللّه عنها ، وقد طافت راكبة : أجرك على قدر نصبك . وهذا لا يصدر [ إلّا ] « 3 » عن قلب موقن « 4 » بالبعث . الآية الثانية والعشرون - قوله « 5 » : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - هذا تهديد شديد ، ووعيد مؤكد ، في ترك النّفير « 6 » . ومن محققات مسائل الأصول أنّ الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من اقتضاء الفعل ؛ فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر ، ولا يقتضيه الاقتضاء ؛ وإنما يكون العقاب « 7 » بالخبر عنه ، كقوله : إن لم تفعل كذا عذّبتك بكذا ، كما ورد في هذه الآية ؛ فوجب بمقتضاها النفير للجهاد ، والخروج إلى الكفار لمقابلتهم « 8 » على أن تكون كلمة اللّه هي العليا .

--> ( 1 ) هو الأحول الكندي - كما في اللسان - طها . وروى فيه أيضا : فليت لنا من ماء حمنان شربة ( 2 ) في اللسان : طهيان : اسم ماء وجبل . وحمنان : مكة . ( 3 ) من م . ( 4 ) في م : مؤمن . ( 5 ) آية 39 . ( 6 ) في ا : اليقين . ( 7 ) في م : الجوب . ( 8 ) في م ، والقرطبي : لمقاتلتهم .